محمد متولي الشعراوي
3149
تفسير الشعراوى
« سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ » وهذا القول دليل على أن أذنهم اعتادت سماع الكذب ويقبلون عليه . وعندما نقول نحن في الصلاة : « سمع اللّه لمن حمده » ، أي أننا ندعو اللّه أن يقبل الحمد . وهم سماعون للكذب أي يقبلون الكذب . والسماع جارحة ، والأكل بناء ما به الجارحة لأنه مقوم لها . مثلما يأكل لينمو ، وإن كان ناضجا يحفظ له الطاقة والقدرة . فالنمّو - إذن - معناه أن يدخل جوفه أكثر مما يخرج منه . وبعد فترة يدخل إلى جسمه على قدر ما يخرج منه ، ثم الشيخوخة نجد فيها أن ما يخرج أكثر مما يدخل . وما داموا سماعين للكذب أكّالين للسّحت ، فهم في بوار دائم ، لأن أكل السّحت حيثية من حيثيات الاستماع المصدّق للكذب ؛ لأنهم قد بنوا ذرات أجسادهم من حرام ، فكيف ترفض آذانهم الكذب ؟ بل آذانهم تستدعى الكذب ، وألسنتهم تحترفه . وعيونهم تستدعى المحارم ، وأيديهم تستدعى السرقة ، إنها الأبعاض التي بناها أصحابها من حرام . ولم يقل الحق عنهم : « سامعون » ، بل قال : « سماعون » أي جعلوا صناعتهم أن يتسمعوا ، وهم الجواسيس ، وإلا فإذا كان الأمر غير ذلك لكان كل من سمع كذبا يعد من هؤلاء . والقول مقصود به من جعل السماع صنعة له ، ولا يجعل إنسان السماع صنعة له إلا إذا كان عينا لغيره ، والعين للغير يتلصص على أمانة المجالس ، ولكل مجلس أمانة . فإذا ما حضر إنسان مجلسا فليس له أن ينقل ما في ذلك المجلس إلى غيره إلا أن يكون ذلك هو صناعته ، وتلك هي مهمته . « سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ » وهنا قضيتان . فهل السماع للكذب سببه أكل السّحت ، أم أكل السّحت سببه السماع للكذب ؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان من طينة الأرض وصوره على شكل آدم نفخ فيه من روحه ، وحين صوره من طينة الأرض جعل كل مقومات حركة حياته من طبيعة طينة الأرض ، فإذا ما أخذ الإنسان شيئا من حلّ ، اعتدلت الذرات في نفسه على الهيئة التي خلقها اللّه . وإن تدخل فيها بحرام جعل في الذرات اختلالا تكوينيا . وهذا الاختلال التكويني هو الذي جعل آكل الحرام سماعا للكذب . ولو لم